أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، أكتوبر 02، 2025

من التراث إلى المعاصرة: رؤى فكرية في العمارة المحلية

زاوية عمورة بجنزور

جمال الهمالي اللافي

تمهيد

تمثل العلاقة بين التراث والمعاصرة في العمارة موضوعًا غنيًا يستدعي فهمًا عميقًا وتوجهًا فكريًا واضحًا. فالتقليد أو الاقتباس من الموروث المعماري لا يُعدّ بالضرورة قصورًا في المنهج، بل قد يكون وسيلة فعّالة للحفاظ على حلول بيئية واجتماعية أثبتت جدواها. في المقابل، لا يحمل التجديد أو الحداثة قيمة إيجابية مطلقة، خاصة حين يقترن بتدمير عناصر تراثية دون مبررات منهجية، مما يهدد تماسك المجتمع واستقراره.

في هذا السياق، ومن خلال تأملاتي في العمارة الليبية، أرى أن التواصل مع التراث لا يعني الانغلاق، بل يستدعي وعيًا نقديًا يوازن بين الأصالة والتجديد. ومن هنا، تبرز عدة مرتكزات أساسية لتأسيس عمارة معاصرة تعكس الهوية الثقافية للبلاد:

  • الإلهام من الحرفيين التقليديين

يمثل الحرفيون التقليديون نموذجًا للتكامل بين القيم الاجتماعية ومطالب الحياة اليومية. إن خبراتهم في استخدام المواد المحلية وأساليب البناء تشكل مصدرًا غنيًا يمكن للعمارة المعاصرة أن تستفيد منه لتقديم حلول فعالة وملائمة.

  • تنوع العمارة المحلية

لا تنتمي العمارة المحلية إلى نمط واحد، بل هي تجسيد لعلاقة متينة بين الشكل والمضمون والمحيط الاجتماعي والبيئي. إعادة الاعتبار لها يعني احترام خصوصية كل نمط، وتطوير تصاميم تتفاعل مع البيئة المحلية دون تعميم أو اختزال.

  • فهم توزيع الفراغات

يتطلب تصميم الفراغات المعمارية فهمًا وظيفيًا وثقافيًا دقيقًا. يجب أن تتلاءم هذه التوزيعات مع احتياجات العصر، مما يستدعي تعديل الأشكال والمساحات، وتجاوز التوزيع التقليدي غير الملائم.

  • ترابط العناصر المعمارية

العلاقة بين العناصر الزخرفية وتوزيع الفراغات ليست تجميلية فحسب، بل تعكس أساليب التعبير التي تشكل هوية المكان وخصوصية سكانه، وهي بذلك جزء حيوي من العمارة المحلية.

  • استلهام الأصالة من التاريخ

ينبغي للمعماريين الجدد أن يستكشفوا الملامح الأصيلة للعمارة المحلية عبر الزيارات الميدانية والبحث في المعالم التاريخية، حفاظًا على تفرد التفاصيل المعمارية والزخرفية، وعلى منطق التوزيع الفراغي.

  • دور المعماري في المجتمع

لا ينبغي النظر إلى التأصيل المعماري كعائق للإبداع، بل كمسار نقدي يعيد تقييم المشاريع وفق فعاليتها في سياق الهوية. فالمعماري الليبي مطالب بأن يدمج رسالته المهنية ضمن مشروع حضاري يوازن بين الجذور والتطور.

من التأصيل إلى التطبيق: ملامح العمارة المحلية المعاصرة

إذا كانت العمارة المحلية المعاصرة تمثل جسرًا بين القيم الثقافية الثابتة والتغيرات المجتمعية المتسارعة، فإن ترجمة هذه الرؤية إلى ممارسة معمارية تتطلب وعيًا نقديًا ومنهجًا تطبيقيًا متكاملًا. فالمعماري لا يكتفي بإرسال إشارات رمزية إلى الهوية، بل يُفترض به أن يطوّر أدوات تصميمية تستوعب الخصائص الاجتماعية والثقافية، وتُجسّد في الوقت ذاته عناصر الحياة الحديثة.

في هذا القسم، أستعرض مجموعة من المحاور التطبيقية التي يمكن أن تشكّل أساسًا لتصور مستقبل مستدام للعمارة المحلية، حيث لا يكون التأصيل مجرد استدعاء للماضي، بل نقطة انطلاق نحو ابتكار معماري نابع من السياق، وممتد إلى التحول:

  • التوازن بين الثوابت والمتغيرات

§         الثوابت: الحفاظ على القيم المجتمعية والمعتقدات والبيئة يشكّل الجذور الثقافية التي ترسّخ الهوية، ويجب أن يُحترم في كل تصميم.

§     المتغيرات: التطورات التكنولوجية في مواد البناء، مثل العزل الحراري والطاقة المتجددة، تمثل نقطة انطلاق مهمة. ينبغي دمج هذه الابتكارات بما يعكس احتياجات المجتمع المعاصر دون التفريط بالأصالة.

  • المنهج التصميمي

يتطلب المنهج التصميمي إجراء دراسات ميدانية وزيارات للمعالم التاريخية لفهم المفردات المعمارية والزخرفية التي تتسم بها الهوية المحلية. هذا الفهم العميق يمكّن المعماري من الحفاظ على أصالة التوزيع الفراغي والتفاصيل المعمارية.

  • الإبداع والابتكار

يجب أن يرتكز الإبداع على استغلال العناصر الموجودة، لا على السعي الدائم وراء الجديد. الابتكار الحقيقي هو تطوير للممارسات التقليدية، وتكييفها بما يلائم العصر، مع وعي نقدي لما يجب إلغاؤه أو تعديله.

  • التأصيل للعمارة الليبية المعاصرة

ينبغي أن يركز المسار المهني للمعماريين على التأصيل للعمارة المحلية، بما يمثل جوهر العمارة الليبية. الانفتاح على التعبيرات الثقافية الخاصة بالمجتمع يساعد في تخطي الانتقادات المتعلقة بالتقليد، ويمنح العمارة قوة نابعة من السياق.

  • الدور الاجتماعي والإعلامي

يتحمل الإعلام ومؤسسات التعليم المعمارية مسؤولية توجيه المجتمع نحو قيمه وهويته. تثقيف المجتمع حول أهمية الحفاظ على التراث يسهم في تشكيل وعي معماري يعيد بوصلة العمارة المحلية نحو جذورها.

  • تحديث المناهج التعليمية

يجب على مؤسسات التعليم المعماري مراجعة المناهج لتدمج بين المعطيات الغربية والتقاليد المحلية، وتزويد الطلاب بالأدوات اللازمة لفهم الخصوصيات البيئية والاجتماعية، مما يهيئهم للابتكار ضمن سياقهم الثقافي.

 

خاتمة

إن النظرة إلى العمارة المحلية المعاصرة ليست مجرد إحياء للماضي، بل هي عملية ديناميكية تتطلب الحوار المستمر بين التراث والحداثة. يجب على المعماريين العمل على التعبير عن أدوارهم كحلقة وصل بين التاريخ والابتكار، متجهين نحو بناء بيئات تعكس هويات مجتمعاتهم وتلبي احتياجات العصر. من خلال تحقيق التوازن بين التراث والتجديد، يمكن للعمارة أن تعزز من استدامة المجتمعات وتساهم في تعزيز الهوية الثقافية في مواجهة التحديات المستقبلية.

الأربعاء، أكتوبر 01، 2025

المدينة كوعي معماري

  حوار تأملي بين المفكر والحكيم



جمال الهمالي اللافي

في زمنٍ تتكاثر فيه المباني وتقلّ فيه المعاني، يصبح الحديث عن المدينة حديثًا عن الذات، وعن العمارة حديثًا عن الوعي. هذا الحوار لا يُقدّم إجابات جاهزة، بل يُعيد فتح الأسئلة التي تُهمّش عادةً خلف زخرفة الواجهات. بين المفكر الذي يرى بعينٍ تحليلية، والحكيم الذي ينفذ ببصيرته إلى جوهر الأشياء، تتكشّف المدينة ككائن حيّ، لا كخريطة، وكخطابٍ بصريّ، لا كزينة.

المفكر:

أنظر إلى المدينة، فأراها تتبدل كل يوم. الخرائط تتغير، المباني تتكاثر، لكن شيئًا ما يظل غائبًا. كأنها تبصر، لكنها لا ترى نفسها.

الحكيم:

لأنها لم تُصغِ بعد لصوتها الداخلي. المدينة لا تُعرّف بجدرانها، بل بما تحتضنه من معنى. وحين تُبنى بلا وعي، تُعيد إنتاج الغربة.

المفكر:

هل العمارة تُعبّر عنّا؟ أم أننا نُسقط عليها ما نريد أن نقوله؟

هل يمكن للمدينة أن تحمل هوية، لا مجرد وظيفة؟

الحكيم:

العمارة ليست حيادية. هي موقف، وهي ذاكرة، وهي أحيانًا صرخة مكتومة. حين نبني بلا معنى، نُكرّس الغفلة. وحين نُرمّم بلا وعي، نُعيد إنتاج التشويه.

المفكر:  

طرابلس القديمة، مثلاً، هل ما زالت تتكلم؟

أم أن صمتها هو صمت من لم يُصغِ لها؟

الحكيم:

هي لا تصمت، لكنها تُهمّش. كل قوسٍ مهمل، كل نافذة مطموسة، تحمل سردية لم تُكتب بعد. المدينة تُقاوم النسيان، لكنها تحتاج من يُنصت، لا من يُراقب فقط.

المفكر:  

أرى فراغات بلا وظيفة، زخرفة بلا معنى، تصميمًا بلا كرامة. هل هذا هو التقدم؟ أم تكرارٌ بلا وعي؟

الحكيم:

التقدم لا يُقاس بالارتفاع، بل بالاتساق. العمارة التي تنسى الإنسان، تُنتج ما لا يُسكن. والمعماري حين يُصمّم للعرض، يُقصي الوظيفة، ويُهين الكرامة.

المفكر:  

هل يمكن للمعماري أن يُعيد تشكيل المدينة؟

أم أنه مجرد منفّذ لما يُطلب منه؟

الحكيم:  

المعماري الحقيقي لا يُصمّم مبنى، بل يُصمّم معنى. هو من يربط الإنسان بالمكان، ويعيد للفراغ روحه. وإن غاب وعيه، تحوّل إلى أداة في يد الغفلة، لا في يد الوعي.

المفكر:

إذاً، نحن لا نُصمّم المدينة فقط، بل نُصمّم علاقتنا بها. هل يمكن للمدينة أن تُشفى؟ أن تستعيد خطابها، صدقها، هويتها؟

الحكيم:

نعم، حين نكفّ عن التعامل معها كسلعة، ونبدأ في رؤيتها ككائن حيّ. حين نُعيد الاعتبار للبساطة، للصدق، للوظيفة التي تحترم الإنسان. وحين نُدرك أن كل حجرٍ فيها إما أن يكون شاهدًا على وعي، أو أثرًا لغفلة.

بالطبع يا جمال، إليك خاتمة متزنة تُلخّص جوهر الحوار، وتُعبّر عن رؤيتك دون استعراض، بل بلغة تأملية واضحة، تُغلق النص دون أن تُغلق التفكير:

المدينة ليست ما نُشيّده، بل ما نُصغي إليه

هذا الحوار لا يُنهي الأسئلة، بل يُعيد ترتيبها. فالمدينة ليست مجرد عمران، بل كائن حيّ يحمل ذاكرة، ويختبر وعينا، ويُطالبنا بالصدق في علاقتنا بها. العمارة ليست زينة، بل خطابٌ بصريٌّ يحمل موقفًا، والفراغ ليس حيادًا، بل إمّا أن يحتضن الإنسان أو يُقصيه.

حين يرى المفكر التناقض، ويُسائل المعنى، وحين ينفذ الحكيم إلى جوهر الوظيفة والكرامة، تتكشّف المدينة كمرآة للوعي، لا كخلفية للعيش. والمعماري، إن أدرك مسؤوليته، لا يُصمّم مبنى، بل يُعيد بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الزمن والذاكرة، بين البصر والبصيرة.

فالمدينة لا تُشفى بالخرائط، بل بالوعي. ولا تُبنى لتُعرض، بل لتُسكن بكرامة.

الثلاثاء، سبتمبر 30، 2025

نحو مشروع إبداعي ليبي: من التفكيك إلى البناء

قراءة تأسيسية في سؤال الانطلاقة الثقافية ومسؤولية الفعل الإبداعي

 


جمال الهمالي اللافي

في لحظة صامتة من مساء ليبي متقلب، وبين جدران لا تزال تحتفظ بصدى الحكايات القديمة، يتوقف المعماري، أو الكاتب، أو الفنان، أمام مشروعه القادم. لا يسأل: "كيف أُبهر؟" بل "لماذا أبدأ؟"
تتراكم حوله أدوات العصر، وتُغريه المنصات، وتُلح عليه الجوائز وتستهويه المعارض الخارجية المشتركة مع أقرانه، لكنه يعرف أن المشروع الذي لا ينبثق من حاجة محلية، يظل زخرفًا، مهما بدا متقنًا. في تلك اللحظة، لا يعود الإبداع فعلًا فرديًا، بل موقفًا من العالم. لا يعود التصميم مجرد شكل، بل خطاب. ولا تعود الكتابة وسيلة تعبير، بل وسيلة مقاومة للغفلة. هنا، في هذا المفترق، يبدأ السؤال الحقيقي: كيف نُنجز مشروعًا ليبيًا خالصًا، لا ليُلفت أنظار الآخر، بل ليُعيد بناء الذات؟ كيف نُفكك التشويش، لا لنُدين، بل لنفهم؟ وكيف نُعيد البناء، لا لنُنافس، بل لنُفيد؟

1.   كيف نضمن أن تنطلق مشاريعنا الإبداعية من رغبة صادقة للنهوض بالوطن، لا من مجاراة للموضات العالمية أو انتصار لوجهات نظر شخصية؟

2.      وكيف نجعل هذه المشاريع خالصة للمجتمع الليبي، تتحرى الصدق في الطرح والإخلاص في الغاية، لا لتلفت أنظار الآخر أو تنال اعترافه؟

في زمن تتكاثف فيه الظواهر وتتشابك فيه المرجعيات، لم يعد السؤال عن انطلاقة المشاريع الإبداعية مجرد ترف فكري، بل أصبح ضرورة وجودية تمس جوهر الفعل الثقافي في ليبيا. فالمشروع الذي لا ينبثق من رغبة صادقة للنهوض بالوطن، يظل عرضة للتشويش، مهما بدا متماسكًا أو متقنًا.

إن مجالات العمارة، والتصميم، والفنون التشكيلية، والإبداع الأدبي، والخطاب الفكري والسياسي، لا يمكن أن تُنجز من موقع المجاراة أو الانبهار، أو التبعية العمياء، بل من موقع المسؤولية. فكل مشروع يُصاغ من رغبة في الظهور أو انتصار لوجهة نظر شخصية، هو مشروع هش، يفتقر إلى الجذر، ويعيد إنتاج التشويش الذي يدّعي مقاومته.

التفكيك كمرحلة تأسيسية لا عدميّة

التفكيك هنا لا يُستعار من النظرية التفكيكية لجاك دريدا، بكل ما حمله معه من مضامين التمرد على والقواعد المنضبطة بالقيم الدينية والأخلاقية، بل يُعاد توظيفه في سياق ليبي خاص، بوصفه فعلًا نقديًا يهدف إلى فهم الواقع لا زعزعة المعنى. نحن لا نمارسه على النصوص المجردة، بل على الخطابات والممارسات الثقافية التي تشكل الوعي الجمعي.

التفكيك لا يعني الهدم، بل إعادة ترتيب المفاهيم، وتحريرها من التزييف أو التكرار. وهو لا يُنجز دفعة واحدة، بل عبر تراكم النصوص التي تفضح الغفلة وتدعو للوعي، وتُعيد الاعتبار للسياق المحلي بوصفه مرجعية لا بوصفه عائقًا.

كل شيء قابل للتفكيك، مهما تعقدت تقنياته وكثرت تفاصيله. ذلك ممكن متى توفرت الإرادة، لا الرغبة فقط. فالبنية الثقافية المشوشة تحمل في داخلها تناقضاتها، وكثرة التفاصيل لا تعني صلابة، بل قد تكون دليلًا على ارتباكها. والالتحام الظاهري يخفي هشاشة داخلية، حين يُبنى على مجاراة لا على قناعة.

البناء كفعل مسؤول يتلو الفهم

لكن التفكيك وحده لا يكفي. إن توقفنا عنده، نكون قد شخّصنا المرض دون أن نُقدّم العلاج. لذلك، لا بد أن يتلوه بناءٌ موازٍ، لا يُستعجل، بل يُنجز على مهل، بعد أن تتضح الغايات وتُصاغ الأهداف من داخل السياق الليبي، لا من خارجه.

البناء الذي يُنجز دون فهم مسبق، هو إعادة إنتاج للتشويش، ولو بدا متماسكًا. وهو غالبًا ما يُستدرج إلى مجاراة الآخر، أو إلى استعراض داخلي لا يملك مرجعية واضحة. لذلك، لا بد أن يتأخر البناء قليلًا، لا لضعف في الإرادة، بل لحكمة في التوقيت.

إعادة تعريف المشروع الإبداعي الليبي

لهذا، فإننا ندعو إلى منهج نقدي ليبي مستقل، يبدأ بالتفكيك لفهم الواقع، ويتلوه بناء مسؤول يعيد الاعتبار للبساطة والصدق. لا نطلب اعترافًا خارجيًا، بل نُراهن على الزمن كحكم أخير. فما ينتفع به الناس يبقى، وما يُحبس في الأدراج يختفي.

إن العمارة التي لا تُصمم من حاجة محلية، تظل زخرفًا. والتصميم الذي لا يُراعي السياق، يصبح تكرارًا. والفن الذي لا يُنصت للوجدان الليبي، يتحول إلى استعراض. والأدب الذي لا يُكتب من موقع التماسك، يُقرأ من موقع الشفقة. والخطاب السياسي الذي لا يُبنى على فهم الواقع، يُعيد إنتاج أزماته.

نحن نكتب ونصمم ونفكر، لا لنُنافس، بل لنُعيد بناء الوعي. لا لنُبهر، بل لنُفيد. لا لننال الاعتراف، بل لنستحقه.

هذا النص ليس إعلانًا نظريًا، بل خطة طريق لكل من يكتب أو يصمم أو يفكر من موقع الالتزام، لا من موقع الاستعراض. وهو دعوة مفتوحة لإعادة تعريف المشروع الإبداعي الليبي، لا بوصفه منتجًا، بل بوصفه موقفًا.

الاثنين، سبتمبر 29، 2025

لماذا أكتب تحت باب "تأملات في المعمار"؟

  


جمال الهمالي اللافي

لا يُكتب هذا الباب من موقع امتياز أكاديمي، ولا يُقدَّم بوصفه خطابًا مؤسسيًا. بل هو مساحة شخصية مفتوحة على الهمّ العام، تُصاغ من تجربة ميدانية امتدت لعقود، ومن وعيٍ تشكّل خارج أسوار المؤسسات الأكاديمية، لكنه لم يفقد دقته ولا مسؤوليته.

في بلدٍ يُلاحق فيه التعبير الحرّ إن لم يكن ممهورًا بختمٍ الأكاديمي، تصبح الكتابة فعلًا مقاومًا لا تنظيريًا، ومساحة لحماية القناعات من الحجر، لا للعرض أو الاستعراض. ولأن الحالة النقدية تُصادَر غالبًا لصالح من يحملون شهادات عليا، يُنظر إلى من يكتب خارج هذا الإطار بوصفه متطفلًا أو غير مؤهل. لكنني لا أكتب لأثبت جدارة، بل لأعيد الاعتبار لما يُقصى عمدًا من الخطاب الرسمي: الحس النقدي المتجذر في الميدان، والوعي المعماري الذي لا يحتاج شهادة كي يكون صالحًا أو مؤثرًا.

باب تأملات في المعمار ليس تصنيفًا تقنيًا، بل خيارًا واعيًا لتفادي التصنيفات التي تُقصي، ولإبقاء النصوص مفتوحة على التأمل، لا على الادعاء. هو مساحة تُكتب من موقع من عاش التجربة، لا من موقع من دُرّب على تحليلها، دون الوعي بغاياتها ومآلاتها. هو أيضًا محاولة لتثبيت ما يستحق البقاء، لا بوصفه موروثًا جامدًا، بل كفعل ثقافي حيّ، يُعاد توظيفه دون أن يفقد روحه.

ما يُنشر هنا لا يطلب اعترافًا، ولا ينافس الأكاديمية، بل يكشف محدوديتها حين تُختزل في الشهادة وتُفرغ من التجربة. وما يُكتب في هذا الباب، يُكتب من باب الالتزام، لا من باب التكليف. لذا، فإن تأملات في المعمار ليست بابًا للنشر فقط، بل بيان استقلال فكري، ومساحة للكتابة بوصفها فعلًا تأسيسيًا من موقع راسخ ومسؤول.

تكامل الجهود لحماية الموروث الثقافي المحلي في المدن الليبية

 


جمال الهمالي اللافي

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الهوية الثقافية والمعمارية الليبية، تبرز الحاجة إلى مشروع جماعي ينهض بمسؤولية الحفاظ على الموروث المحلي، لا بوصفه ترفًا تراثيًا، بل كضرورة وجودية تعيد الاعتبار للبساطة والصدق في التعبير، وتقاوم الاستلاب البصري والوظيفي. هذا المشروع ينبغي أن يُبنى على رؤية تأسيسية واضحة، تُفعّل دور المجتمع المحلي والجهات المعنية في صياغة فعل ثقافي مستدام، لا مؤقت ولا استعراضي."

1.      التشريعات الحامية للتراث

يتطلب الأمر إرساء منظومة قانونية واضحة تحمي المعمار التقليدي وتمنع تشويهه، عبر:

  • سنّ قوانين تحظر الهدم العشوائي للمباني التاريخية وتلزم بترميمها وفق معايير تحفظ طابعها الأصلي.
  • اعتماد لوائح تُشجع إعادة توظيف المباني القديمة في وظائف ثقافية أو مجتمعية، دون تفريغها من معناها.
  • ربط هذه التشريعات بالهوية البصرية للمدينة، من خلال توجيه التصميمات الجديدة نحو استخدام المواد المحلية والألوان ذات الدلالة الثقافية، كالأخضر والأبيض في بعض السياقات الليبية.

2.      المعارض والمسابقات المعمارية

لا يكفي الحفاظ، بل يجب تجديد العلاقة مع التراث عبر الفعل الإبداعي، وذلك من خلال:

  • تنظيم مسابقات تصميم تستلهم من العمارة التقليدية وتعيد توظيف عناصرها بأساليب معاصرة دون استعراض.
  • إقامة معارض تعرض نماذج ناجحة من ترميم المباني القديمة، وتبرز دور الحرفيين المحليين في استعادة التفاصيل المنسية.

3.      دعم الحرف التقليدية

الحرف اليدوية ليست ترفًا زخرفيًا، بل امتدادٌ للهوية في تفاصيل الحياة اليومية. لذا يُقترح:

  • تنظيم ورش عمل لتعليم الأجيال الجديدة الحرف التقليدية، وربطها بالتصميم المعماري كعنصر تعبيري.
  • دعم الصناعات الصغيرة التي توظف هذه الحرف في منتجات معمارية أو ثقافية، دون تحويلها إلى سلعة مبتذلة.

4.      المهرجانات الثقافية

المهرجانات ليست مجرد احتفال، بل فعل جمعي يعيد وصل ما انقطع. ومن هنا:

  • إقامة مهرجانات سنوية تحتفي بالثقافة الليبية، بمشاركة السكان المحليين والزوار، وتعرض نماذج من اللباس، الموسيقى، الطعام، والحرف التقليدية.
  • توظيف هذه المناسبات لتعزيز الانتماء الثقافي، لا لتكريس الصورة النمطية.

5.      تحفيز الاستثمار الثقافي

التراث لا يُصان بالنوستالجيا وحدها، بل يحتاج إلى دعم ملموس، عبر:

  • تشجيع رجال الأعمال المحليين على الاستثمار في مشاريع ثقافية ومعمارية تُعيد الاعتبار للتراث.
  • تقديم مزايا ضريبية أو تسهيلات إدارية للمبادرات التي تلتزم بالمعايير الثقافية الأصيلة.
  • إبراز قصص نجاح لمبادرات محلية ساهمت في إحياء الأسواق القديمة أو إعادة توظيف المباني التاريخية دون تشويه.

6.      حملات التوعية والترويج

الوعي هو فعل مقاومة في ذاته، حتى لو عجز عن التغيير الفوري. لذا يُقترح:

  • إطلاق حملات إعلامية مستمرة تبرز أهمية الحفاظ على التراث، وتشرك الأفراد في مسؤولية الحماية.
  • إدراج مفاهيم التراث في المناهج الدراسية، وربطها بالهوية الوطنية بعيدًا عن الخطاب العاطفي.
  • إشراك الشباب في أنشطة ميدانية توثق وتحتفي بالموروث المحلي، وتعيد ربطهم بجذورهم دون ادعاء.

إن هذا المشروع لا يدّعي امتلاك الحلول الجاهزة، بل يفتح بابًا للحوار حول ما يستحق البقاء، وما يمكن أن يُعاد بناؤه بصدق. فالموروث الثقافي ليس ما نحتفظ به في الأدراج، بل ما يُنتفع به الناس، ويُعاد توظيفه في حياتهم اليومية دون أن يفقد روحه. والمدن الليبية، بما تحمله من تنوع وتجارب، قادرة على أن تكون مرجعًا حيًّا لهذا الفعل، إذا ما توفرت الإرادة وتكاملت الجهود.

الأحد، سبتمبر 28، 2025

عندما تبهت ملامح العمارة ويلمع حضور الفن التشكيلي


جمال الهمالي اللافي

    منذ أن انتقلت العمارة من مرحلة ما بعد الحداثة إلى التفكيكية، بدأ حضورها يتراجع أمام سطوة الرؤية التشكيلية التي باتت تتحكم في ملامح المشاريع. لم تعد الوظيفة، ولا استجابة المبنى للبيئة، هي ما يشغل كبار المعماريين، بل أصبح التلاعب بالألوان والنحت البصري للكتل هو ما يستحوذ على اهتمامهم. الكتلة الخارجية تُصمم لتُبهر، بينما يُترك الفراغ الداخلي يتأقلم معها قسرًا، يُرصّ أو يُمطّط ليخدم الشكل، لا الإنسان.


    أما المواد، من اللدائن إلى الشرائح المعدنية وقطع الفسيفساء، فلم تعد تُختار لمقاومة الزمن أو الظروف المناخية، بل لجاذبيتها البصرية. المكيفات تعمل بلا توقف، والترميم والصيانة باتا جزءًا من دورة حياة هذه المباني، فقط كي يستمر حضور الفن التشكيلي ويُفرض على المخططات الحضرية.

    حتى هذه المخططات لم تسلم، إذ تُعاد صياغتها لتُبرز الكتل المعمارية من جميع الجهات، وتُمنح مساحات تُظهرها كمعالم سياحية، لا كمرافق وظيفية. المدينة تُعاد تشكيلها لتُصبح خلفية لكتلة، لا بيئة حية.


الصورتان المرفقتان ليستا سوى مثالين على هذا التحول، حيث تُختزل العمارة إلى واجهة، ويُستبدل بها الفن، ويُقصى الإنسان.

الثلاثاء، سبتمبر 23، 2025

طرابلس القديمة: من فضاء إلى منهج



مدخل للنص: الذاكرة كمنهج

ليست العمارة مجرد بناء، بل هي ذاكرة تتجسد في المكان، وتُعيد تشكيل الذات عبر الزمن. وفي سياق التجربة الليبية، حيث تتداخل الجغرافيا بالتاريخ، ويُثقل التراث كاهل الحاضر، تصبح العلاقة بالمدينة الأولى أكثر من مجرد انتماء، إنها علاقة تكوين.

هذا النص لا يُروى بوصفه سيرة شخصية، بل بوصفه شهادة تلمذة واعية، تُعيد الاعتبار لطرابلس القديمة كمعلمة، لا كمتحف. فالمعماري لا يُصاغ فقط في قاعات الدراسة، بل في الأزقة، والفراغات، والتفاصيل التي تُلقّنه الصبر، وتُعلّمه التدرج، وتُهذّب انفعاله.

في هذا النص، أكتب من موقع النضج، لا لأستعرض، بل لأوثّق العلاقة التي شكّلت منهجي، ووجّهت رؤيتي، وألهمتني مقاومة الاستلاب البصري والوظيفي. ولا أكتب عن طرابلس القديمة بوصفها "محبوبة"، بل بوصفها "منهجًا"، يُعلّم ولا يُدلّل، يُنقّح ولا يُغوي، ويُبقي المعماري على صلة بالجوهر، لا بالانبهار.

 

هذا النص كتب بعد استقالتي في العام 2001 من عملي بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة:

لكل معماري، في ليبيا أو في العالم، معلمٌ تتلمذ على يديه، ويدين له بالفضل الأكبر فيما بلغ من فهمٍ وممارسة. وغالبًا ما ينعكس أثر هذا المعلم في أعمال تلميذه، ظاهرًا أو خفيًا.

أما أنا، وقد دخلت عقدي السابع، فأدين بكل الفضل لمعلمةٍ نهلت من معينها منذ مراحل مبكرة. انتبهت لشغفي بالعمارة وأنا لا أزال في المرحلة الإعدادية، ففتحت لي أبواب فضائها الرحب، وأدخلتني عالمها الواسع، وبدأت تلقنني أسرارها في سلسلة من الدروس الممتعة والمشوقة. علمتني كيف أصبر عليها، وألا أطالبها بكل شيء دفعة واحدة، بل أتلقى معارفها بالتدرج، مبنيًا على الملاحظة والفهم العميق لكل سر من أسرارها. حتى حببتني في العمارة، وجعلتها هدفي ورسالةً أعبر من خلالها عن رؤيتي وفهمي لدوري في هذه الحياة.

وبعد التحاقي بقسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس، بقيت هي معلمتي الحقيقية، وحرصت على التواصل معها دون انقطاع، في فضائها الذي لا يضيق. ومن أجلها، التحقت بمشروع تنظيم وإدارة مدينة طرابلس القديمة، لأكون قريبًا منها، لا يشغلني عنها شيء. وحتى بعد انقطاعي عن العمل في هذه المؤسسة، حافظت على صلتي بها، ولا زلت حتى اليوم أزورها، فتزودني بما يضيء الطريق، وتحتضن هواجسي، وتستوعب أفكاري، وتمنحني من أصالتها ما يُبقيني على صلة بالجوهر.

ولأجل ألا توصم علاقتي بمدينة طرابلس القديمة، كما يروق للبعض أن يصفها، بالعشق أو الجنون، أُوضح أن هذه العلاقة ليست اندفاعًا عاطفيًا ولا انبهارًا غير واعٍ:

  • فالعاشق لا يرى في محبوبته أي عيب أو قصور، ويختزن في عقله اللاواعي صورةً مخالفةً للحقيقة، تجعله يتصرف وفق تصور مغلوط، بعيد عن الواقع.
  • والمجنون لا يعقل ولا يدرك ماهية الأشياء من حوله، وأعماله لا تخضع للمنطق السليم، ولا تستند إلى علاقة تفاعلية واعية ومدركة بين الأنا والموضوع، قائمة على البحث والاستقصاء والتقييم المنهجي.

علاقتي بمدينة طرابلس القديمة:

  • علاقة واعية، مدركة، مستقلة عن أي اندفاع عاطفي أو استلاب عقلي يثير الشفقة.
  • علاقة تلمذة واعتراف بالفضل، وتحديد للمدرسة التي استلهمت منها منهجي الفكري ورؤيتي المعمارية لمستقبل العمارة في بلادنا.

كبرت معلمتي في السن، وبدأت الأمراض تنهش جسدها الجميل، لكنها بالنسبة لي لا تزال فتية، تنبض بالحياة، ولا تنقطع عن العطاء.

معلمتي الفاضلة، مدينة طرابلس القديمة، لكِ فائق التقدير على كل ما تعلمه منك تلميذٌ يفتخر بأنك معلمته الأولى والأخيرة.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...