أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، ديسمبر 03، 2025

العمارة مرآة الأخلاق


جمال الهمالي اللافي

تعرت العمارة حين تحولت الجدران من ساتر يحفظ الداخل إلى واجهات زجاجية تكشفه للعيون. تعرت حين صارت الفضاءات الداخلية مكشوفة للغرباء، بلا حواجز تصون الخصوصية أو أسرار البيت. تعرت حين غدت النوافذ الواسعة أداة عرض، لا منفذاً للضوء والهواء. إنها عمارة مكشوفة، تُظهر ما كان يستتر، وتُحوّل المأوى إلى مشهد للفرجة. وفي زحمة هذا العري، تتكاثر مشاعر الانبهار.

    لكن حين تعرت العمارة، تعرّى معها المنبهرون بها، وفقدوا ما يستر قيمهم ويحفظ أخلاقهم. غدت العمارة للعرض لا للعيش الكريم والمستور.  فالعمارة انعكاس لتردّي المجتمع أو ارتقائه؛ إنها تخبرنا بما سنكون عليه قبل أن نكونه. نحن نُحمّلها قيماً نصوغ بها رؤيتنا لمستقبلنا، فنبدأ بها ثم نتبعها في انحدارها أو رُقيّها. وهكذا يصبح العُري في العمارة مرآة لعُري الأخلاق، يسبقه ثم يتبعه الناس في انكشافهم.

الثلاثاء، ديسمبر 02، 2025

بيت بلا سقف: تأملات في العمارة الليبية

 

في مكتب لوكوربوزييه، يُصاغ الفكر، حين تتوحد الجهود.

جمال الهمالي اللافي

في ليبيا، حيث تتجاور الأصوات الثقافية في فضاءات الأدب والفن والتاريخ والبيئة، تتولد لقاءات ومعارض تُثري الوعي وتفتح أبواب الحوار. هناك، يجد كل مجال طريقه إلى الناس، ويترك أثره في الذاكرة الجمعية. وحدها العمارة، التي كان يفترض أن تكون بيتاً جامعاً للهوية، ما تزال غريبة عن هذا المشهد، كأنها تقف على الهامش، بلا مشروع يربطها بالناس ولا رؤية تُنضج حضورها.

المشكل ليس في غياب الموهبة أو قلة التجربة، بل في غياب الفكر المعماري المشترك الذي يؤسس لوعي جديد. العمارة الليبية اليوم تبدو متشظية، بلا خط جامع، بلا لغة تُترجم روح المكان، وبلا مشروع يوازن بين الأصالة والابتكار. كأنها جدران ترتفع بلا سقف، أو جزر متباعدة لا جسور بينها، فلا حوار يتولد، ولا بيت يُبنى على المشاركة.

إن عمارة بلا رؤية، مهما ازدانت واجهاتها، تظل غريبة عن أهلها. والمكان الذي لا يُبنى على الوعي، يبقى مجرد بناء، لا عمارة. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن للعمارة أن تستعيد دورها كبيت للهوية، وأن تتحول من جدران متفرقة إلى فضاء جامع؟

ربما يكمن الجواب في العودة إلى جوهر العمارة: أن تكون لغةً للناس، لا استعراضاً للنخبة؛ أن تكون جسراً بين الماضي والحاضر، لا قطيعة بينهما؛ أن تكون بيتاً يليق بالذاكرة، ويحتضن المستقبل. عندها فقط، يمكن أن تُسمى عمارة، لا مجرد بناء.

الأحد، نوفمبر 30، 2025

نقاط على الحروف في ممارسة مهنة العمارة

النجاح والفشل بين الهوية والوظيفة


جمال الهمالي اللافي

1.      الهوية المعمارية والالتزام الفكري

يمتلك المهندس المعماري توجهًا راسخًا ينبع من قناعاته الشخصية وانتمائه العقائدي والمجتمعي؛ وهذا التوجه ليس مجرد وجهة نظر قابلة للنقاش، بل انعكاس أصيل لثبات هذه القناعات
وعليه، فإن الزبون يختار المعماري بناءً على سجله العملي – سواء من خلال مشاريع قائمة أو عروضه المنشورة – والتي تمثل العنوان الصريح والواضح لتوجهه المعماري. وهذا يضمن أن العميل على معرفة مسبقة بطبيعة الأسلوب الذي سيقدم عليه.

2.      الثبات في التوجه والمرونة في التصميم

يحق للمعماري أن يتصلب في توجهه المعماري؛ فهو مرتبط بمعتقد فكري وليس منطلقًا من فراغ، وتغييره أو الإبقاء عليه مسألة شخصية نابعة من قناعاته الداخلية، وليس نتيجة لتأثير خارجي. لكن هذا الثبات لا ينسحب على الفكرة التصميمية المبدئية للمشروع. هذه الفكرة قابلة للتعديل أو الإلغاء والبدء من جديد. فالغاية الأساسية هي تحقيق متطلبات الزبون ضمن دائرة التوجه المعماري للمهندس، وليس فرض مشروع لا يخدم احتياجات العميل.

3.      تحديد الأدوار: مسؤولية العميل ومسؤولية المعماري

تقتصر مهمة العميل على عرض متطلباته، احتياجاته، والنقاط التفصيلية الضرورية في بيته. هذه هي متطلبات العميل، ليست توجيهات معمارية. أما النتيجة النهائية للمشروع، فهي تُحسب بالكامل للمعماري. يُقيّم نجاحه بمدى قدرته على تحويل الاحتياجات إلى واقع متكامل، ثم يخضع لتقييم نهائي بعد فترة من معايشة المشروع واستخدامه.

4.      النجاح والفشل: أبعاد متعددة لا تختزل في رضا الزبون

  • النجاح لا يُقاس فقط بمدى تحقيق رغبات العميل المباشرة، بل بقدرة المعماري على تحقيق توازن بين:
    • الوظيفة: تلبية الاستخدام اليومي بكفاءة وراحة.
    • الهوية: انسجام المشروع مع السياق الثقافي والاجتماعي.
    • البيئة: احترام المحيط الطبيعي والمناخي.
    • الاقتصاد: ضبط التكلفة ضمن حدود معقولة.
    • الجماليات: صياغة لغة معمارية راقية تمنح المكان قيمة وجدانية وبصرية.
  • الفشل لا يقتصر على عدم إرضاء العميل، بل يشمل:
    • إغفال الهوية أو تشويهها.
    • تجاهل البيئة أو تقديم حلول تضر بالمحيط.
    • تجاوز الميزانية أو تقديم مشروع غير قابل للاستدامة.
    • إنتاج تصميم يفتقر إلى القيمة الجمالية أو يخلق نفورًا بصريًا.

أي خلل في هذه الجوانب يُحسب على المعماري، لأنه المسؤول عن تحويل الاحتياجات إلى مشروع متكامل يراعي جميع الأبعاد.

الخاتمة: إعادة ترسيخ دور المعماري

إن الفصل بين دور المعماري والمتطلبات الوظيفية للعميل أمر لا يقبل الجدال في كل المهن الأخرى، وينبغي أن يكون كذلك في العمارة. المعماري ليس مجرد منفّذ لرغبات الزبون، بل هو المصمم، والمفكر، والمنفذ الفني للرؤية. نجاحه أو فشله يُقاس بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين الهوية، البيئة، الاقتصاد، الوظيفة والجماليات، لا بمجرد إرضاء العميل.

عندما يُفهم هذا الدور على حقيقته، يعود للمعمار مكانته المستحقة كقائد فكري وتصميمي للمشروع، ويصبح الإنجاز أو الإخفاق مسؤولية مهنية خالصة تُحسب له وحده. بذلك يستقيم ميزان التقدير، ويُعاد الاعتبار للعمارة كفعل ثقافي وفكري، لا مجرد خدمة تجارية.

الاثنين، نوفمبر 24، 2025

لغة تدريس مناهج العمارة بين الهوية والاغتراب

 أي لغة نُدرّس بها العمارة؟

حروفيات للخطاط محمد الخروبي

جمال الهمالي اللافي

موجز المقالة

أي لغة نصنع بها المعماري؟ سؤال يتجاوز حدود القاعة الدراسية ليصل إلى عمق الوعي والهوية. فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء للفكر، وحامل للثقافة، ومفتاح لإدراك الزمن والمكان. حين يتعلم الطالب بلغته الأم، يتماهى مع جذوره ويصوغ خطاباً معمارياً متجذراً في بيئته، أما حين يُفرض عليه التفكير بلغة الآخر، فقد يجد نفسه أسيراً لرؤية لا تخصه. هذه المقالة تفتح النقاش حول لغة تدريس مناهج العمارة، بين الهوية والانفتاح، بين المحلية والعالمية، مستحضرةً نماذج راسخة مثل مكية والجادرجي، ومحذّرة من غواية التفكيك كنظرية وتطبيق. لتخلص إلى أن اختيار لغة التدريس ليس قراراً تقنياً، بل هو قرار سيادي يرسم مستقبل العمارة، ويحدد أي معمار نصنعه للأجيال القادمة.


يطرح التعليم المعماري سؤالاً مصيرياً: بأي لغة نصوغ وعي الطالب ونفتح أمامه أبواب التفكير النقدي؟ هل نكتفي باللغات الأجنبية ومصطلحاتها، فنُدخل الطالب في مسار قد يقوده إلى الاغتراب، أم نمنحه لغة بيئته المحلية بما تحمل من عمق وثراء وارتباط بالإنسان والمكان؟

اللغة وتشكل الوعي

لقد أثبتت الدراسات اللسانية أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لتشكيل الوعي ذاته. فهي تحدد كيف يفكر الإنسان، وكيف يرى العالم، وكيف يعيد إنتاج القيم والمعاني في حياته اليومية.

·     اللغة كحامل للثقافة: اللغة تنقل القيم الحضارية وتعيد إنتاجها في ذهن المتلقي. فهي ليست محايدة، بل مشبعة بالتصورات الثقافية والدينية والسياسية. الطالب الذي يتعلم بلغته الأم يتشرب هذه القيم ويعيد صياغتها في خطابه المعماري، بينما الطالب الذي يُفرض عليه التفكير بلغة أجنبية قد يجد نفسه أسيراً لقيم لا تنتمي إلى بيئته.

·     اللغة كأداة إدراك: علم اللغة المعرفي يوضح أن المفاهيم التي نصوغها مرتبطة بالبنية اللغوية، أي أن طريقة التعبير تحدد طريقة التفكير. على سبيل المثال، لغات ذات تراكيب زمنية مختلفة تؤثر في إدراك الزمن والحدث. وهذا يعني أن اللغة التي يُدرّس بها المنهج تحدد طريقة إدراك الطالب للفضاء والزمن، وهما جوهر العمارة.

·     اللغة والصراع المعرفي: هناك أبحاث تؤكد أن الصراع اللغوي في المجتمعات ليس مجرد مسألة تواصل، بل هو صراع على تشكيل الوعي والسيطرة على المعنى. حين تُفرض لغة أجنبية على التعليم، فإنها لا تنقل المعرفة فقط، بل تفرض أيضاً منظومة فكرية قد تُوجّه الطالب نحو توجهات لا تخدم بيئته ولا مجتمعه.

اللغة المنطوقة كمسار للتفكير الواعي

اللغة التي يُدرّس بها المنهج ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي قرار يحدد مسار التفكير المعماري للأجيال القادمة. التركيز على اللغة العربية، بما تحمله من عمق وثراء في الألفاظ والحروف وامتداد تاريخي متصل بالمعتقد الإسلامي، يمنح الطالب مساراً للتفكير يتماهى مع هذه اللغة ويستوعب أبعادها الثقافية والروحية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء للفكر، ومفتاح لفهم الذات والبيئة.

رموز ومعالم

إن استحضار فكر المعماريين الكبار مثل محمد مكية ورفعت الجادرجي يفتح أمام الطلاب باباً لفهم العمارة كخطاب نقدي أصيل، لا كموضة عابرة. هؤلاء علّمونا أن العمارة موقف فكري وأخلاقي قبل أن تكون شكلاً بصرياً.

التفكيكية: النظرية والتطبيق

أما عمارة التفكيك، فهي ليست مجرد أشكال هندسية متكسرة، بل نظرية فكرية تسعى إلى هدم الثوابت وإعادة تركيبها في صورة بصرية صادمة. لكن تطبيقاتها كثيراً ما تتحول إلى استعراض شكلي يقطع الصلة بالجذور، ويحوّل العمارة إلى مشهد بصري بلا مضمون. الطالب الذي يُدفع إلى هذا المسار يفقد القدرة على إنتاج عمارة تخدم الإنسان والبيئة، ويصبح تابعاً لصرخات السوق لا لنداء المكان.

أثر اللغة على البحث العلمي والمجتمع

اعتماد اللغة المحلية في تدريس العمارة لا يقتصر على تكوين الطالب، بل ينعكس على جودة البحث العلمي. فحين تُكتب الدراسات بلغة البيئة، تصبح أكثر ارتباطاً بمشكلاتها العمرانية، وأكثر قدرة على تقديم حلول واقعية. أما حين تُكتب بلغة أجنبية، فإنها كثيراً ما تُوجَّه إلى بيئات أخرى، بعيدة عن الواقع المحلي.

كما أن تدريس العمارة باللغة المحلية يسهّل وصول المعرفة إلى المجتمع، ويجعل الخطاب المعماري مفهوماً للمهندسين والفنيين والجهات التنفيذية، لا محصوراً في نخبة تتقن الإنجليزية. هذا يعزز التكامل بين المعماري والمجتمع، ويمنع عزله في برج لغوي مغلق.

سياسات التعليم ومسؤولية صناع القرار

إن اعتماد اللغة المحلية في تدريس العمارة هو حماية للهوية وضمان لسيادة معرفية تنطلق من البيئة والإنسان. أما اللغات الأجنبية، فيجب أن تبقى في موقعها الطبيعي كمادة مساعدة، تفتح أبواب التحصيل العلمي لمن يرغب في مواصلة دراسته في الخارج، دون أن تتحول إلى لغة التفكير الأساسية التي قد تفرض على الطالب أن يرى بعين الآخر قبل أن يرى بعينه.

تجارب دولية عديدة تثبت أن التعليم المعماري يمكن أن يُدرّس باللغة الوطنية (كما في اليابان أو ألمانيا)، ومع ذلك يظل منفتحاً على العالم. وهذا يبرهن أن الهوية لا تتعارض مع العالمية، بل هي شرطها الحقيقي.

خاتمة

إن تعليم اللغة الأجنبية لا يُرفض، لكنه يوضع في موقعه الطبيعي: أداة مساعدة، لا جوهر التكوين. أما جوهر العمارة فيبقى في فهم المكان، والإنسان، والهوية، وصياغة خطاب نقدي معاصر ينطلق من الجذور ليواجه تحديات العصر. العمارة ليست زخرفة أو تقليداً، بل لغة حياة.

فأي لغة نصنع بها المعماري؟ وأي مستقبل نرسمه حين نختار لغة التدريس؟


المراجع

  1. عمروش عبد الحميد، اللغة وتشكيل الوعي: حفريات معرفية في اللغة والثقافة والمصطلح، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، المجلد 10، العدد 4، 2021.
  2. جورج لاكوف ومارك جونسن، الاستعارات التي نحيا بها (Metaphors We Live By)، 1980.
  3. جورج لاكوف ومارك جونسن، الفلسفة في الجسد (Philosophy in the Flesh)، 1999.

 

 

الأحد، نوفمبر 23، 2025

مراجعة نقدية: العمارة اللاشيئية من منظور معرفي


جمال الهمالي اللافي

من خلال تتبع أنماط العمارة الليبية المعاصرة، أجد أن وصفها بأنها "تماهٍ مع الغرب" لا يعكس حقيقتها. فالمقارنة الدقيقة تكشف أنها لا تمت بصلة إلى العمارة الغربية، لا في الجذور ولا في الشكل ولا في المواد ولا في التفاصيل. وفي الوقت نفسه، هي لا تستمد منطلقاتها من الموروث المحلي. إنها عمارة بلا هوية، بلا سياق، بلا منطلق فكري، يمكن أن تُسمى بحق العمارة اللاشيئية.

هذا النمط المعماري يتسم بالهلامية، حيث تتخذ الكتل أشكالاً متعددة دون أن ترتبط بفلسفة أو رؤية. المعماري هنا يعمل بعقلية التاجر، يزين بضاعته ليستهوي المستهلك، دون أن يضع في اعتباره صلاحية الاستعمال أو تحقيق الفائدة المرجوة من وراء البناء. وهكذا تتحول العمارة إلى سلعة، إلى واجهة متباهية، لا إلى فضاء يحقق معنى السكن أو يعكس هوية المجتمع.

إن أخطر ما في هذه الحالة أنها تُسوّق للناس بوصفها "نهضة"، بينما هي في حقيقتها تكريس للفراغ والرداءة. فهي لا تخضع لمعيار، ولا تخضع لرقابة، ولا تجد مجتمعاً يعي حقيقتها فينبذها. إنها ليست اغتراباً بالمعنى التقليدي، بل فراغاً عمرانيّاً يكرّس أزمة الهوية ويعمّق الضياع.

من منظور معرفي، يمكن القول إن "العمارة اللاشيئية" ليست مجرد وصف بل مصطلح نقدي يفتح الباب أمام إعادة التفكير في علاقة العمارة بالإنسان والمجتمع والذاكرة. فهي تكشف أن ما نفتقده ليس القدرة على التقليد، بل القدرة على بناء هوية معمارية صادقة.

ربحٌ أثمن من الكلفة

العمارة التي تمنحك أكثر مما تدفع


جمال الهمالي اللافي


مقدمة

حين تُقاس العمارة بالأرقام وحدها، تضيع قيمتها الأعمق: معنى البيت، ودفء الهوية، وطمأنينة العيش. ليست القضية في حساب الكلفة فقط، بل في المفارقة التي تجعلنا نُسائل الطراز المحلي ونغضّ الطرف عن الطرز المغتربة، رغم أنها أكثر كلفة وأشد اغترابًا. هنا يصبح الحديث عن العمارة حديثًا عن الوعي، وعن إعادة الاعتبار لما يشبهنا ويمنحنا السكينة.

جرت العادة عند عرض أحد مشاريعي المنفذة على الطراز المحلي المعاصر، أن يبادر البعض إلى إظهار تكاليف تنفيذها وكأنها باهظة، ومخالفة لما درجت عليه تكلفة المشاريع على الطرز المغتربة. ويُقال إن في تنفيذها مشقة كبيرة على المهندسين والعمال.

وفي المقابل، لم أجد مثل هذه التعليقات على المشاريع المغتربة التي تبالغ في استخدام الخرسانة ومواد التشطيب المكلفة، وكأنها أمر طبيعي لا يستحق التساؤل. هذه المفارقة وحدها تكشف حجم الغفلة: حين يُنتقد ما يشبهنا ويُسامح ما يُغرّبنا.

إن مثل هذه التخوفات كفيلة بزعزعة ثقة المتابعين بهذا النمط المعماري. ولا تفلح محاولات التوضيح بالشرح والتفصيل في إظهار أن أسعار هذا النمط في مرحلتي التنفيذ والتشطيب هي في الحقيقة أقل كلفة. لذلك، لن أرهق نفسي هذه المرة بالحديث عن الأرقام، بل سأجاري من يبالغ في ارتفاع أسعارها بالقول:

أنت لا تدفع ثمن الجدران والحجارة فقط، بل تدفع لتشتري الانتماء المفقود، وراحة البال، ومتعة العيش. وهذا أغلى من الضياع في متاهة التغريب، حيث لا هوية ولا دفء ولا معنى. فإذا اشتريت، هانت عندك الكلفة، لأنك ستكتشف أنك ربحت ما هو أثمن منها:

  • ربحت بيتًا يشبهك،
  • وفضاءً يذكّرك بجذورك،
  • وحياةً تمنحك السكينة قبل أن تمنحك المأوى.

المسألة ليست أرقامًا تُقارن، بل في وعيٍ يعيد للعمارة معناها وللبيت هويته.

السبت، نوفمبر 22، 2025

مجال العمارة ما بين الشمولية والتأطير

 


جمال الهمالي اللافي

في كل ممارسة معمارية منضبطة، يقوم البناء الفكري على ركيزتين أساسيتين: صون الملكية الفكرية، التي تضمن وحدة الرؤية ونسبتها لصاحبها، والشمولية التي يتحملها المعماري في احتضان جميع عناصر المشروع ضمن رؤية متكاملة. بين هذين البعدين، يتوزع الإبداع بين التخصصات المكملة، في احترام لترتيب الأدوار وضمان هوية المشروع.

في كل مشروع معماري، هناك جذر يمثله المعماري، وفروع تمثل التخصصات المكملة. فلا حياة للفروع إن انفصلت عن الجذر، ولا معنى للجذر إن لم يثمر فروعًا. المعماري هو المسؤول عن المشروع من جميع جوانبه، يقود فريقه بالحوار والنقاش، ويضمن أن تتكامل الرؤى في إطار واحد.

إن محاولة خلق بؤر توتر بين هذه التخصصات، المبنية على فرض الآراء، لا تفيد أي تجربة معمارية بقدر ما تجهضها في مهدها، حين تخرج النتائج على أرض الواقع مشوهة بتضارب الأفكار.

بهذا المعنى، العمارة ليست فردية ولا فوضوية، بل هي عمل جماعي مؤطر بالشمولية، يقوده المعماري ويغذيه التخصص المكمل، في احترام متبادل لتراتبية الأدوار، ضمانًا للتكامل والابتكار وحماية هوية المشروع.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...