التخطي إلى المحتوى الرئيسي

افتتاحية

استدعت حاجة المعماريين والتشكيليين والحرفيين في ليبيا إلى منبر إعلامي ملتزم بقضايا المجتمع يتم من خلاله تواصلهم اليومي مع شرائحه المختلفة، إلى إطلالة هذه الصفحات النقدية، لترسيخ عدة قيم قد يكون مفهومها غائبا عن بعضنا وقد تحمل معاني مختلفة عند البعض الآخر، ولكننا نتفق مع الكثيرين حولها. ولا بأس من تكرار طرحها بمقتضى الضرورة القصوى إلى إعادة التذكير بما نكون قد نسيناه أو تناسيناه في زحمة السعي وراء فضاء يأوينا بعد أن هجرنا ألفة بيت العائلة الحميمة، ونحن نتطلع إلى البدائل المستوردة وهي تغتال فينا كل يوم إحساسنا بكل ما هو أصيل وجميل.

قيمة أخرى تعيد طرحها هذه المدونة على مائدة الحوار بين أصحاب المهنة الواحدة تحديدا وبين أفراد المجتمع على وجه العموم، وهي احترام الرأي الآخر والتفاعل معه على أساس أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي" المعماري والتشكيلي والحرفي" إلى مرحلة التفاعل مع هموم واحتياجات المجتمع والتعبير عن تطلعاته إلى حياة أكثر استقرارا وإنتاجية.

وأخيرا هي صفحات تهدف إلى تصحيح مفهوم العالمية في أذهان المبدعين المحليين، وذلك من خلال تسليط الضوء على حقيقة مرامي الدعاة إليها أو المنساقين وراءها. وكي لا تشكل العالمية هاجسنا الأول الذي يدفع بنا إلى أن نرمي باحترامنا لذواتنا خلف ظهورنا جريا وراء سراب اسمه تفوق الآخر.

البحث عن النظرية الإسلامية في عمارتنا المعاصرة



جمال الهمالي اللافي

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ظهرت عدة مدارس معمارية غربية تتبنى في منهجها نظريات، عبرت في مضمونها عن القيم المادية التي أنتجتها الثورة الصناعية، وتدعو في مجملها إلى الخروج بالعمارة والفنون من إطار الأشكال التراثية التي رأوا أنها تعتمد على الإثارة البصرية من خلال الزخم الهائل من الزخارف التي تغطي مسطحاتها، وتنادوا بضرورة تبسيط الأشكال والعناصر المعمارية. ودعمت الثورة الصناعية هذا التوجه بإنتاجها لمواد بناء جديدة تعتمد على بساطة التصنيع وسرعة الإنتاج ووفرته إلى جانب رخص تكاليفها وسهولة نقلها إلى مواقع بعيدة عن مصدر إنتاجها. وبنفس القدر الذي انتشرت به مواد البناء المصنعة انتشرت قيم الثورة الصناعية ومفاهيمها الاقتصادية.

وقد انعكست هذه المفاهيم الاقتصادية بدورها على الفكر الإسلامي، وبوجه الخصوص على الرؤية التخطيطية والتصميمية للمشاريع الإسكانية التي تتبناها الدولة، وهو ما دفع بالمعماري، تحت ضغوط حاجة الدولة لحل أزمة السكن الناتجة عن تدفق الأيدي العاملة من الأرياف إلى المدن الصناعية لتحريك عجلة الاقتصاد، إلى نبذ جميع المعطيات الأخرى التي تتشكل منها آلية العملية التصميمية للمباني السكنية، ليسخّر فكره لإنتاج عمارة اقتصادية بالدرجة الأولى لا تحمل في مضمونــها أبعد من ذلك تمثلت على المستويين التخطيطي والتصميمي فيما يعرف بالنموذج المتكرر للوحدة السكنية والذي يعتمد في غالبية الأحيان على الارتفاع الرأســــــي لهذه الوحـدات " العمارات السكنية" وذلك زيادةً في الاقتصاد في تكلفة البناء وتسريعاً لحركته، وكان هذا النموذج منحصراً في البداية على ذوي الدخل المحدود ليعم في آخر الأمر جميع المستويات الاجتماعية والثقافية. ويصبح السمة الغالبة على الطابع التخطيطي للمشاريع الإسكانية.

وضع هذا التوجه الاقتصادي في العمارة، إنسانية المجتمع تحت خانة الإحصائيات البيانية التي ترصدها الدولة لتحديد اقتصاداتها، كما انعكس بدوره على طبيعة المناهج الدراسية التي تعتمد عليها المدارس المعمارية لتأهيل كوادرها، فغاب بذلك المعنى المقصود من العمارة ومفهومها الحقيقي الذي يسعى لإيجاد بيئة صالحة لمعيشة الإنسان، وغابت من وراءه الهوية الثقافية والخصوصية الاجتماعية والمعالجات البيئية التي كانت تبحث فيها العمارة التقليدية وتؤكدها من خلال نتاجها المعماري والتخطيطي، مما ترتب عليه حدوث خلل وتدهور في سلوكيات المجتمع وقيمه الأخلاقية وأصبحت" الغاية تبرر الوسيلة" قاعدة تحكم المفهوم العام للحياة. كما اتسمت العملية التصميمية التي كانت تعتمد على الإبداع بالجمود والتكرار، وتحول المعماري إلى دكتاتور يمارس سادية الفكر تحت شريعة الاختصاص على مجتمعه تحت إطار الهيئات الاستشارية الهندسية التي يتبعها وفرض بذلك عمارته التي تتبنى مذهب الاقتصاد في كل شيء على العمارة البيئية.

وكردة فعل ضد هذا التوجه، وامتداداً لحالة التغريب ظهرت تيارات أخرى لتُنتج عمارة جديدة اتسمت بالفردية الأنانية إلى حد التطرف الذي قادها إلى تحطيم كل الضوابط والقيود بدءا بالشكل المعماري مروراً بالهيكل الإنشائي وانتهاءً بالقيم الاجتماعية والثقافية، وآخر هذه التيارات التي ظهرت على الساحة المعمارية ما عرفت اصطلاحا بالعمارة التركيبية أو التفتيتية، التي تُظهر المبنى وكأنه قد تعرض للتدمير بحيث انهارت طوابقه فوق بعضها البعض وهو تطبيق عملي للنظرية التفتيتية- وهي آخر ما تمخضت عنه فلسفات القرن العشرين ونظرياته- والتي تعتمد مبدأ الهدم لكل المعتقدات الدينية والقيم الاجتماعية السائدة دون السعي لإعادة تصحيحها أو ترتيبها أو بنائها بقدر ما تهدف إلى خلخلة وتشويش الفكر الإنساني وتشكيكه في كل ما هو قائم.

كحالة اجتهادية للخروج بالعمارة من هذا المنزلق انصرف بعض المعماريين إلى البحث عن بدائل تصحح مسيرة العمارة نحو خدمة الإنسان، تكون أكثر قربا منه وارتباطاً بواقعه الثقافي والاجتماعي والبيئي، رافضةً بدورها للقولبة الفكرية والمنهجية في التخطيط والتصميم والتي تتبنى العمارة الدولية كاتجاه معماري بسط نفوذه على بقاع المعمورة بعد أن بسط نفوذه على العقلية المعمارية. وربما يعيب هذه التوجهات أنها ركزت في بحثها عن عمارة إنسانية، على التعامل مع الشكل كتعبير ثقافي، ومع المواد المحلية كحل اقتصادي، ومع الخصوصية السمعية والبصرية كاعتبار اجتماعي.

لكن مشكلة الإنسان ظلت عالقة، فأزمة السكن تزداد استفحالاً والهوية تُمعن في الاغتراب وسلوك الإنسان مع أخيه الإنسان يتمادى في وحشيته والعمارة ترتدي حُلة أخرى غير حُلتها، وبين هذا وذاك يقف المجتمع الإسلامي حائراً وعاجزاً عن الاهتداء إلى ضالته المنشودة لتحقيق عمارة بيئية تتفاعل مع همومه وتخرج به من أزمة الفوضى والاغتراب التي جعلت الإنسان سجين بيوت الزجاج وعلب الكبريت التي تناطح السحاب. فأصبح شوقه يتزايد يوما بعد يوم إلى محادثة أخيه الإنسان أو التمتع بمنظر الطبيعة من خلال نافذة بيته. وهكذا شوهت عمارة القرن العشرين باعتمادها على مفهوم الاقتصاد في كل شيء صورة البيئة الإنسانية التي تتوازن فيها القيم المادية مع القيم الروحية.

الأمر الذي يدفعنا أيضا إلى تجديد الدعوة للبحث عن النظرية الإسلامية في عمارتنا المحلية المعاصرة، التي تستلهم منهجها وفكرها الفلسفي من قيم ديننا الإسلامي الحنيف، وتكون المرجعية إلى القرآن الكـريم الذي جاء ليصحح للإنسان مسيرته نحو بناء علاقته السوية بخالقه سبحانه وتعالى وبذاته ومجتمعه هذه العلاقة التي تتصف بالشمولية والكمال لأنها جاءت من لدن حكيم عليم وليست من صنع بشر تنازعه الأهواء والأغراض.

ويقدم لنا القرآن الكريم دعوة صريحة لإعمال الفكر وتحليل المعاني واستنباط الحكم، في قوله سبحـــــــــــانه وتعالى:
} وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59){- سورة الروم


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محطات في السيرة الذاتية

الاسم : جمال الهمالي اللافي تاريخ الميلاد: الأحد غرة محرم 1377 هـ الموافق 28/7/1957 م. المؤهل العلمي: دراسة العمارة والتخطيط العمراني- بكلية الهندسة/ جامعة طرابلس.
الخبرة العملية/ -2012- مع بداية السنة وحتى شهر اكتوبر من نفس السنة. -ولمدة عشرة أشهر، كمنسق للجنة المستشارين ومستشار متعاون في مجالات الحفاظ على المدن التاريخية وطرق إدارتها- بجهاز إدارة المدن التاريخية. تم بعدها تقديم الاستقالة، لعدم وضوح برنامج عمل الجهاز وافتقاره للمصداقية والالتزام المهني من قبل القائمين على إدارته. والعودة بعدها للعمل الحر كمصمم ومشرف على تنفيذ المباني التي يصممها. -مدير إدارة المشروعات الهندسية- بشركة ميراث ليبيا للمقاولات والاستثمار العقاري.
2007- 2012- العمل الحر كمصمم ومشرف على تنفيذ المباني السكنية الخاصة. 2004- 2007 المدير العام ومصمم ومشرف على تنفيذ المباني بمكتب« المدرسة الليبية للعمارة والفنون» - مهندسون استشاريون. 2001- 2004 مصمم معماري ومشرف على تنفيذ المباني بمكتب« أبعاد»- مهندسون استشاريون. 1993- 1995 مصمم معماري بمكتب« الميراث للمعمار» - مكتب هندسي. 1990- 2001 باحث معماري ورئيس قسم الشؤون الثقافية …

التهوية الطبيعية في المباني

م/ آمنه العجيلى تنتوش

المقدمة تتوقف الراحة الفسيولوجية للإنسان على الثأتير الشامل لعدة عوامل ومنها العوامل المناخية مثل درجة الحرارة والرطوبة وحركة الهواء والإشعاع الشمسي . وللتهوية داخل المبنى أهمية كبيرة وتعتبر إحدى العناصر الرئيسية في المناخ ونق الانطلاق في تصميم المباني وارتباطها المباشر معها فالتهوية والتبريد الطبيعيين مهمان ودورهما كبير في تخفيف وطأة الحر ودرجات الحرارة الشديدة ، بل هما المخرج الرئيسي لأزمة الاستهلاك في الطاقة إلى حد كبير لأن أزمة الاستهلاك في الطاقة مردها التكييف الميكانيكي والاعتماد عليه كبير والذي نريده فراغات تتفاعل مع هذه المتغيرات المناخية أي نريد أن نلمس نسمة هواء الصيف العليلة تنساب في دورنا ومبانينا ونريد الاستفادة من الهواء وتحريكه داخل بيئتنا المشيدة لإزاحة التراكم الحراري وتعويضه بزخات من التيارات الهوائية المتحركة المنعشة . فكل شي طبيعي عادة جميل وتتقبله النفس وترتاح له فضلا عن مزاياه الوظيفية . وعلى المعماري كمبدأ منطقي عام البدء بتوفير الراحة طبيعياً ومعمارياً كلما أمكن ذلك ومن تم استكملها بالوسائل الصناعية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الراحة مقتصداً في اس…

من مدن جبل نفوسة

فرسطاء*

الأستاذ/ سعيد علي حامد
الزائر أو الدارس للتجمعات الاستيطانية في منطقة جبل نفوسة يلاحظ التشابه والتماثل في مواقع قراه ومدنه وفي خصائص معمارها حيث أن جميعها تقع على منحدرات التلال وشعب محصنة ومحصورة بين أودية. وجميع هذه التجمعات تحتمي بالظروف الطبيعية للمنطقة وتتشابه في مظهرها وأسلوب بنائها والمواد المستخدمة ونمط معيشة أهلها.
فرسطاء، قرية من قرى جبل نفوسة تقع إلى الغرب من طمزين، ويمكن الوصول إليها من مدينة كاباو التي تبعد عنها بنحو 6كيلومترات،في حينتبعد عن طرابلس في اتجاه الجنوب الغربي بنحو 240 كلم. ويمكن الوصول إليها بواسطة الطريق المعبد طرابلس، العزيزية، تيجي ويتفرع منه طريق نحو اليسار صاعدا الجبل وبعد نحو 13 كم يتفرع طريق نحو اليسار ينتهي بعد 4 كم. ليترجل الزائر سالكا طريقا صخريا منحدرا نحو الوادي فتظهر فرسطاء أمامه وقد انتشرت أطلالها على سفح جبل يمتد أسفله وادي واسع خصب هو وادي طمزين في حين يكتنفها سهل الجفارة من الشمال.
يستمد أهل فرسطاء الماء من عين تجري في ذلك الوادي  المليء بأشجار النخيل الزيتون ويزرع الأهالي في الأراضي المحيطة به الحبوب والبقوليات وغيرها.
أنجبت فرسطاء العدي…

حول النمط المعماري والهوية المعمارية

صور من المشهد المعماري للمدن الليبية


د. رمضان الطاهر أبو القاسم*

تقديم/ شكلت الهوية عبر التاريخ احد الاحتياجات الرئيسة للإنسان وبتالي لوجوده علي سطح الأرض. في العمارة, استحوذت الهوية علي اهتمامات الكثيرين، غير إن جدل النقاد حول هذه الظاهرة ربط فكرة الهوية العمرانية بالعمارة التقليدية القديمة. ويستند هؤلاء النقاد في ذلك علي إن هذه العمائر التقليدية أظهرت نمطا معماريا متميزا ارتبط بالزمن والمكان الذي ظهر فيه وعكس إمكانيات محدودة للتطوير والتجديد.
الهوية المعمارية يمكن رؤيتها كنتاج معماري لإبداعات فنية، يحاول المعماري والمخطط من خلالها صياغة علاقته بالمحيط والموارد المتاحة وذاكراته ببعده التاريخي والحضاري والبيئي.                                                             خلال القرن العشرين، حاول رواد العمارة الحديثة نبذ الماضي والتنصل منه وتبني نموذج الإنتاج الصناعي المجمّع (mass production) في مقترحاتهم التخطيطية والعمرانية مما تسبب في تجريد أعمالهم المعمارية من كثير من أبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية العريقة وتحميل هذه الأعمال مفاهيم ودلالات رمزية " جديدة " ومحدودة الم…

المعلم/ علي سعيد قانة

موسوعة الفن التشكيلي في ليبيا 1936- 2006





جمال الهمالي اللافي

الفنان التشكيلي" علي سعيد قانة" هو أبرز الفنانين التشكيليين الذين عرفتهم الساحة التشكيلية في ليبيا... انخرط في هذا المجال منذ نحو أربعة عقود. ولد بمدينة طرابلس الموافق 6/6/1936 ف ترعرع في منطقة سيدي سالم (باب البحر) بمدينة طرابلس القديمة.والتحق بأكاديمية الفنون الجميلة بروما- إيطاليا سنة 1957 وتخصص في مجال النحت بمدرسة سان جاكومو للفنون الزخرفية، كما حرص خلال وجوده في روما على دعم قدراته الفنية من خلال دورات تخصصية في مجال الرسم الحر والطباعة والسباكة وبرز في هذه المجالات جميعا.•

التحق عند عودته إلى ارض الوطن بمعهد للمعلمين ( ابن منظور ) للتدريس سنة 1964ف• انتقل للتدريس بكلية التربية جامعة الفاتح سنة1973 ف• انضم إلى كلية الهندسة/ جامعة الفاتح بقسم العمارة والتخطيط العمراني سنة 1974- وتولى تدريس أسس التصميم و الرسم الحر لغاية تقاعده سنة 2001 ف• عمل مستشارا للشئون الفنية بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة.


مساهماته الفنية/
اقتنى متحف مدينة باري للفنون بإيطاليا لوحتين من أعماله الفنية.•
شارك في العديد من المعارض الفنية ف…

مشاريع معمارية

" بيوت الحضر" رؤ ية معاصرة للمسكن الطرابلسي التقليدي

تصميم وعرض/ جمال الهمالي اللافي
في هذا العرض نقدم محاولة لا زالت قيد الدراسة، لثلاثة نماذج سكنية تستلهم من البيت الطرابلسي التقليدي قيمه الفكرية والاجتماعية والمعمارية والجمالية، والتي اعتمدت على مراعاة عدة اعتبارات اهتم بها البيت التقليدي وتميزت بها مدينة طرابلس القديمة شأنها في ذلك شأن كل المدن العربية والإسلامية التقليدية وهي: ·الاعتبار المناخي. ·الاعتبار الاجتماعي ( الخصوصية السمعية والبصرية/ الفصل بين الرجال والنساء). ·اعتبارات الهوية الإسلامية والثقافة المحلية.
أولا/ الاعتبار المناخي: تم مراعاة هذا الاعتبار من خلال إعادة صياغة لعلاقة الكتلة بمساحة الأرض المخصصة للبناء، بحيث تمتد هذه الكتلة على كامل المساحة بما فيها الشارع، والاعتماد على فكرة اتجاه المبنى إلى الداخل، وانفتاحه على الأفنية الداخلية، دون اعتبار لفكرة الردود التي تفرضها قوانين المباني المعتمدة كشرط من شروط البناء( التي تتنافى شروطها مع عوامل المناخ السائد في منطقتنا). وتعتبر فكرة الكتل المتلاصقة معالجة مناخية تقليدية، أصبح الساكن أحوج إليها من ذي قبل بعد الاستغناء…

التخطيط العمراني والمرحلة الانتقالية في ليبيا

د. أحمد محمد الحضيري

"مقال يحمل بعض المقترحات بشأن التخطيط العمراني في ليبيا خلال الفترة الانتقالية، أضعه بين أيديكم، لعله يطرح قضية قابلة للنقاش".

إن التخطيط العمراني عملية متواصلة مع نمو السكان وتطور العمران، فلا ينبغي أن تتوقف عند مرحلة معينة أو تعلق إلى حين. وما ظهور العشوائيات في المدن والتعديات على المخططات إلا بسبب عدم مواكبة التخطيط للنمو العمراني الحادث فيها. وعندما أقول التخطيط العمراني فإنما أقصد العملية المتكاملة بدءاً من الجوانب القانونية والدراسات التمهيدية وعمليات إعداد المخططات العامة والتفصيلية والتصاميم المعمارية إلى الإجراءات التنفيذية والرقابية والمتابعة وضبط وحماية المخططات. إن الفترة الانتقالية التي تشهدها ليبيا في الوقت الراهن ما هي إلا فترة ممهدة لما بعدها، وهي فترة ليست بالقليلة على الرغم من محدوديتها. وفي ظل الاهتمام بالملفات العاجلة قد يتعرض التخطيط العمراني إلى عدم الاهتمام على اعتبار أن معظم قضاياه مستقبلية وغير عاجلة، وبذلك وجب التذكير بأن التخطيط العمراني يشمل النشاط العمراني اليومي سواء بالنسبة للأفراد أو للمؤسسات والهيئات، ونحن نحتاج إلى الانتبا…

البيئة والعمارة المحلية

دراسة تحليلية لمدينة درنة القديمة


م. غادة خالد الماجري

مقدمة/ اهتم الانسان منذ بدأ الخليفة بأعداد المكان الذي يوفر له الحماية من الظروف المناخية المتقلبة المحيطة به كمحاولة منه لخلق البيئة المحدودة الملائمة لتأدية كافة نشاطاته وقد تطورت هذه المحاولات من البدائية التلقائية وتقليد الطبيعة الي التعايش وتفهم الظواهر المناخية المحيطة ومحاولة التكيف معها باستخدام مواد البناء المتاحة بعد التعرف علي خصائصها وايضاً باستخدام وسائل واساليب بسيطة لا دخل للآلة او الطاقة الصناعية فيها تعالج الظروف المناخية طبيعياً لخلق الجو الملائم في الفراغ الداخلي . وفي هذه الدراسة سنتطرق الي تأثير العوامل البيئة الحضارية في تكوين النسيج الحضري في مدينة درنة والاساليب التي اتبعها الانسان الدرناوي للتكيف مع الظروف البيئية والمناخية لمدينة درنة. لمحه عن مدينة درنة/ موقعها وتسميتها / الموقع الجغرافي :
تقع مدينه درنة علي شاطئ البحر الابيض المتوسط وعلي خط عرض 32 شمالاً وخط طول 22 شرقاً يحدها شمالاً البحر المتوسط وجنوباً الجبل الاخضر ويمتد الطريق البري الساحلي ليربطها ببقية مناطق اقليم الجبل الاخضر من الشرق والغرب . شكل ( 1 ) م…

جماليات المكان*

قراءة في صور مختارة من عمارة البحر الأبيض المتوسط

جمال الهمالي اللافي


" أنا لا أريد أن يحاط منزلي بجدار من كل ناحية، وأن تكون نوافذي مسدودة.أريد أن تكون كل ثقافات كل البلدان منتشرة حول منزلي بحرية .لكني أرفض أن أنســـف من قبل أي منها". غاندي



مقدمة/ جماليات المكان... ربما يتبادر للذهن أن الحديث عن الجمال هو حديث عن المتعة والترف ولا يخرج عن كونه مجرد طرح فلسفي لا يرتبط بواقع الأمور. ولكن الحقيقة خلاف ذلك فالجمال يمثل واحدا من أربع مقومات تتعلق بمسألة الانتماء للمكان، وبالتالي للأمة والوطن، وهذه المقومات الأربعة هي/ §الملكية/ ملكية الإنسان للبيت الذي يسكنه أو الأرض التي يزرعها تعزز دوافعه وحرصه على الدفاع عنها ضد كل من يحاول أن يعتدي عليها أو يغتصبها. في حين يسهم تشتيث الملكية على أكثر من شخص واحد في ضياع روح الانتماء للمكان، وتسهل فكرة الهجرة إلى مكان غيره أو التفريط في الحق الضائع. يطرح جميل عبد القادر أكبر، سؤالا، في كتابه" عمارة الأرض في الإسلام": لماذا تدفع الشريعة الأعيان إلى الإذعان المتحد؟
ويجيب عنه بقوله: لأن اهتمام الناس بما يملكون لا يقارن باهتمامهم بما لا يملكون. و…

من تحصينات مدينة طرابلس

برج بوليلة



أ. سعيد علي حامد
ارتبط تأسيس مدينة طرابلس بالبحر ، فمنذ الألف الأولى قبل الميلاد ترددت سفن التجار الكنعانيين ( الفنيقيين ) على الساحل الليبي وأسسوا في غربه ثلاثة مراكز تجارية ( لبدة، أويا" طرابلس" ، صبرا ته ). وقد نمت هذه المراكز حتى غدت مدنا مزدهرة لعبت دورا مهما في تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط . ويلاحظ أن معظم الغزوات التي شنت على مدينة طرابلس كان مصدرها البحر، لذلك تأثرت بأحداث هذا البحر و أثّرت فيها . وجاب بحارتها بأساطيلهم حوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت لهم سطوة وداع صيتهم في معظم موانيه.
تميزت بداية القرن السابع عشر الميلادي بعقد سلسلة من المعاهدات، بين دول الشمال الأفريقي وبين الدول الأوروبية. وانتزعت كل من فرنسا وإنجلترا الأسبقية في ذلك (( وترد أولى الإشارات إلى وجود قنصل أو وكيل قنصل لفرنسا بطرابلس في العشر الأوائل من القرن السابع عشر. وإن كان ذلك بشكل متقطع ، وفي سنة  1630 أرسل الملك لويس الثالث عشر (برينقير ) berenguier  إلى طرابلس فعمل إلى تحرير الأسرى من مواطنيه، وترك قنصلا لفرنسا هو دو مولان( du molin )[1] وتجدر الإشارة هنا إلى أن (( العلاقات المنتظ…